شمس الدين السخاوي

186

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = قوله - تعالى - : { إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ . . . } [ البقرة : 180 ] ، والخير يسعى إليه ، ويحرص عليه . . . بل إن الآيات الكريمة تقرر أن إيتاء المال والإمداد به من نعم الله على عباده المؤمنين ، يؤتيه لهم عندما يقبلون عليه بالعبادة والتوبة والاستغفار . . . قال - تعالى - : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } [ نوح : 10 - 12 ] . واحتجوا - أيضاً - بعدد من الأحاديث النبوية منها نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال ، واستعاذته من الفقر ، وقوله صلوات الله عليه وسلامه : « نعما المال الصالح للرجل الصالح » ، وسبق تخريجه . ثم قالوا : إن كل ما يتصور في الفقر من الصبر والرضا يتصور في الغنى بالإيثار ، والصبر على بذل المال وإنفاقه والتضحية به . وليس كل ما يتصور في الغنى من القربات يتصور في الفقر . قال أبو عبيدة : كلٌّ من الطرفين قال حقاً ، اللهم إن استثنينا الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يكثر ذكرها في هذه المسألة ، وكان ينقص كلٌّ منها العدلَ ! والصواب التفصيل . قال ابن جزي في « القوانين الفقهية » ( ص 472 ) : « ولا يصح التفضيل إلا بعد تفصيل ، وهو أن من كان يقوم بحقوق الله في الغنى ، ولا يقوم بها في الفقر ، فالغنى أفضل له اتفاقاً ، ومن كان بالعكس فالفقر أفضل له اتفاقاً . . . وإنما محل الخلاف فيمن كان يقوم بحقوق الله في الحالتين . والحقوق في الغنى هي أداء الواجبات ، والتطوع بالمندوبات ، والشكر لله ، وعدم الطغيان بالمال . والحقوق في الفقر هي الصبر عليه ، وعدم التشوف للزيادة ، واليأس مما في أيدي الناس ، ولله در غنيّ شاكر ، أو فقير صابر ، وقليل ما هم » . وهذا التفصيل هو الصواب . قال ابن القيم في « بدائع الفوائد » ( 3 / 162 ) : « وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل » قال : « فأجاب فيها بالتفصيل الشافي . . . » وذكر مسألتنا ، وقال : « فأجاب بما يشفي الصدور ، فقال : أفضلهما أتقاهما لله ، فإن استويا في التقوى ، استويا في الدرجة » . قال أبو عبيدة : وفصّل ابن القيم هذا الإجمال في مجموعة من كتبه ، مثل : « المدارج » ( 2 / 442 ) ، و « طريق الهجرتين » ( ص 626 ) ، و « عدة الصابرين » ( ص 125 ، 142 ، 146 ، 230 ) من ( الباب العشرين ) حتى ( الباب الرابع والعشرين ) ، وهو الأخير من الكتاب ، ولا يتسع المقام للبسط أكثر من هذا ، ولكني سأقتصر على زبد من كلامه فيها ذكره لأمثلة تؤكد ما رجحناه من أن ( التفضيل في التفصيل ) ، قال - رحمه الله تعالى - : « مَثلُ الدنيا مثلُ البحر ، الذي لا بد للخلق كلهم من ركوبه ، ليقطعوه إلى الساحل الذي فيه =